في مثل هذه الأيام من كل عام، ينتظر ملايين المسلمين استطلاع هلال شهر رمضان المعظم بفرحة غامرة لا ينقص من قدرها سوى الاختلاف بين الأقطار العربية والإسلامية، حتى بين تلك الدول التي تقع على خط زمني متقارب، فالبعض يصوم رمضان في موعده وآخرون يصومون قبله وفئة ثالثة تصوم بعد ولوجه، مما يطرح التساؤل الحيوي : لماذا لا تتوحد رؤية هلال شهر الصوم بل وباقي الأهلة؟.
ولعل ما يزيد مساحات التداخل ذلك الاختلاف المزمن بين علماء المسلمين وعلماء الفلك، وهو ما يعبر عنه بالرؤية الشرعية والرؤية الحسابية للشهر الفضيل، ففريق منهم يؤيد ويدافع عن توحيد الرؤية فيما يعتبرها فريق آخر ابتعاد عن الحق المراد إتباعه عند تحري الهلال.
وقد روى مسلم في صحيحه أن أم الفضل بنت الحارث بعثت كريبًا إلى معاوية بالشام ليقضي لها حاجة، فلما قضاها استهل عليه رمضان وهو بالشام، فرأى الهلال ليلة الجمعة، فلما قدم المدينة آخر الشهر سأله عبد اللَّـه بن عباس رضي اللَّـه عنهما: "متى رأوا الهلال في الشام؟" فقال:" رأيناه ليلة الجمعة، رأيته ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية"، فقال له ابن عباس: "لكننا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه". فقلت: "أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه"، فقال: "لا، هكذا أمرنا رسول اللَّـه، صلى الله عليه وسلم".
و ذكر النووي في شرحه لصحيح مسلم أن هذا الحديث يدل على أن لكل بلد رؤيته، وأنهم إذا رأوا الهلال في بلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم، ثم قال: والصحيح عند أصحابنا ـ الشافعية ـ أن الرؤية لا تعم الناس، بل تخص بمن قرب على مسافة لا تقصر فيها الصلاة. وقيل: إن اتفق الإقليم وإلا فلا. وقال بعض أصحابنا: تعم الرؤية في موضع جميع أهل الأرض. فعلى هذا القول إنما لم يعمل ابن عباس بخبر كريب لأنه شهادة، فلا يثبت بواحد، لكن ظاهر حديثه أنه لم يرده لهذا، وإنما رده لأن الرؤية لم يثبت حكمها في حق البعيد.
وقد لخص النووي الأقوال في مذهب الشافعي، وهي أقوال في المذاهب الأخرى، ويمكننا أن نرجعها إلى ثلاثة أقوال أساسية:
القول الأول: إن لكل بلد مطلعه، فلا تُلزم رؤية بلد بلدًا آخر، قرب أو بعد.
القول الثاني: إن رؤية أي بلد تلزم كل بلاد الأرض، ولو تباعدت.
القول الثالث: إن رؤية أي بلد تلزم البلد القريب منه أو المتفق معه.
وفي القرب والاتفاق، على هذا القول، آراء مختلفة، تدور حول اعتبار مسافة القصر، والاتفاق في المطلق أو الإقليم أو الارتفاع والانحدار، أو غير ذلك.
ولهذا تحمست كثير من الدول الإسلامية الآن للقول الثاني في التزام الجميع برؤية بلد واحد، إلا أنهم قالوا: إن البلاد التي تلتزم برؤية بلد واحد يشترط أن تشترك في جزء من الليل، وقالوا: إن الفرق في التوقيت بين أقصى التجمعات الإسلامية الكبيرة في الشرق كإندونيسيا والفلبين وأقصى هذه التجمعات في الغرب كالمغرب هو تسع ساعات، والبلاد التي إلى الغرب عندها فرص أكبر لرؤية الهلال، ويمكنها أن تخبر بها الدول الشرقية بالطرق السريعة الحديثة، فيصبح الجميع وهم صائمون
وبعد هذا العرض لوجهات النظر المتعلقة بمسألة توحيد الرؤية أو اختلافها يبقى التساؤل : "متى يصوم المسلمون في يوم واحد؟ ويشعرون بأنهم أمة واحدة؟"
مع ودى
روزال